التقرير السنوي 2018-2019 -يصدره برنامج التوثيق والمٌساعدة الطارئ

التقرير السنوي  لعامي  2018  –  2019  يرصد  (88)  اعتداءً طال الصحفيين ووسائل الإعلام في أرجاء ليبيا وهي حصيلة تُعد منخفضة نسبيًا بالمقارنة مع الأعوام الماضية ، نتيجة تزايد الصُعوبات والقيود الذاتية والإجراءات التقييدة التي تفرضها الأطراف الضالعة في العنف يوما بعد آخر.

صحفيو ليبيا طريق مليء بالمخاطر والعنف يحاول هذا التقرير السنوي أن يُسلط الضوء برؤية واسعة وشاملة عما يُعانيه هؤلاء الفئة الضعيفة التي لا تزال تعاني العنف المُسلط بحقهم من أطراف عدة تدّعي أنها تُطبّق القانون، أو تحمي الليبيين وتُعطي ذرائع وهمية لتزداد حالة تكميم الأفواه والترويع، وتظل الجماعات المُسلحة النظامية وغير النظامية تتوغّل في مفاصل الدولة وتزيد سطوتها.

التقرير السنوي مبني على شهادات ووثائق ومستندات وأدلة جمعها الباحثون جراء مقابلات مع ضحايا العُنف وفقًا للتصنيف المنهجي ولعل مدينتا طرابلس وبنغازي هما من تتصدران القائمة باعتبارهما الأكبر في البلاد.

الضالعون في العنف

تتداخل الأطراف الفاعلة الضالعة في ارتكاب العنف وتختلف حسب الرقعة الجغرافية، ليكون الصحفي هو الضحية المستهدفة؛ يدفع ثمن استقلاليته وبحثه عن الصورة والمعلومة الحقيقية؛ ليصبح فريسة مخالفة للجهات العسكرية والسياسية المُتنازعة في حكم ليبيا.

سياسة ممنهجة تتخذها أطراف النزاع متعددة الأقطاب تتمثل في خطر كُلي لوسائل الإعلام غير الموالية لها أو الصحفيين المُستقلين، فضلا عن ملاحقة المدوّنين والمدافعين عن حقوق الإنسان المُعارضين، حيث تحظر قوات عملية الكرامة بقيادة الجنرال خليفة حفتر كل وسائل الإعلام والصحفيين غير الموالين لها لتغيّب كل مناحي مدنية الدولة بشكل كُلي شرق ليبيا.

في حين تُمارس حكومة الوفاق الوطني (1)  التي دُعمت من الأمم المتحدة وصاية مُباشرة على الصحفيين والمُراسلين الميدانيين في تضييق على إنتاجاتهم الصحفية وعرقلة منحهم التراخيض اللازمة، بل وصل الأمر للتسلّط على مصوّرين صحفيين ميدانيين بحجج عدم وجود تراخيص عمل لهم.

أما الجنوب الليبي المنسي الذي تتداخله الأطراف الفاعلة، فيعيش أتعس زمن منذ الاستقلال عام 1951، الصحفيون هناك يُعانون الاستهداف المُباشر؛ جراء الحرابة والسطو والاقتتال القبلي العنيف، لتضعف قدراتهم في تغطية الأحداث وجمع المعلومات والصور.

لم تكتفِ هذه الأطراف الفاعلة بممارسة العنف والجريمة فقط، بل إنها وظفت “الذُباب الإلكتروني” في آلة للتغريد والهجوم وفق أهواء الممولين عبر الشبكات الاجتماعية دون أي التزام بالمعايير المهنية، وهو ما زاد من شق الصف الصحفي، بالإضافة إلى تدخل رأس المال الأجنبي في تأجيج الصراع والنزاع على الأرض.

انهيار في وسائل الإعلام العام وتشتت في الخاص

إنه لا يخفى على أحد حالة التخبط والتآكل الرهيب في مؤسسات الإعلام العام وتزايد توغل الجماعات غير النظامية وأصحاب المنافع، ناهيك عن حالة التدمير والنهب التي تعيشها تلك المؤسسات في ظل تضخم كبير في كوادرها البشرية وحالة الإنفاق المالي غير المدروسة، وكذلك الحكومات المتعاقبة أظهرت عدم رغبتها في الإصلاح وإجراء التنظيم اللازم للقطاع ونيتها في استمرار سيطرتها على هذا القطاع الهش الذي يُعاني الفوضى والإهمال، ولابد لأصحاب المهنة من تحرير القطاع من قبضة الحكومات والبدء في تأسيس مؤسسة مستقلة لإعادة الإصلاح والحوكمة وفقا للقواعد الدستورية.

إنه من أهم المشاكل التي حلت بالإعلام العمومي هي الانقسام وتنازع الشرعية والاختلاف عليها سبب في تشظي المؤسسات وتقسيمها وضعف أداء الوسائل الضعيفة في الأصل، وهذه الوسائل عمّقت الأزمة من خلال خطاب مروج للأدوات السياسية المسببة للانقسام، والآن لدينا قنوات إعلامية عمومية ذات خطاب مضاد وكما أن نشاط كل هذه الوسائل لا يتعدّى سيطرة الإقليم التي تتبعه، وليس حال باقي المؤسسات الإعلامية مختلف، والإعلام العمومي يعكس دولة موحدة وحكومة موحدة، وبهذا لا يمكن تسمية هذا الإعلام إعلاما عموميا بل إعلاما يتبع أطرافا وأحزاب الصراع.

وفيما يتعلق بالإعلام الخاص فتشهد الساحة الإعلامية تشتتًا كبيرًا، حيثُ تتخذ المؤسسات الإعلامية الليبية من عواصم الدول الإقليمية مقارّ لها، إلا بعض القنوات التي لا تزال تعمل من طرابلس أو بنغازي وهي تتبع أو تروج لأحد الأطراف الفاعلة داخليا، وفيما يتعلّق بالساحة الإذاعية فهي أكثر انتشارا ولا تتركّز في مدن معينة.

العمل تحت وطأة التهديد

 أدّى العُنف المُتفاقم ضد الصحفيين لفرار ما يزيد عن 83 صحفيًا (2) ليبيًا خارج البلاد بين الأعوام 2014 – 2018، بعدما أدركوا استحالة ممارستهم للعمل داخل مدنهم، نتيجة فقدان الأمن والحرية وبيئة العمل المشحونة بالكراهية والتحريض لتستمر حالة النزيف لبيئة الإعلام التي يعيش فيها الصحفيون تحت وطأة التهديد المستمر.

لا يعني انخفاض معدلات الاعتداءات المسجلة تحسنًا أو ازدهارًا في أوضاع حرية الصحافة والإعلام، بل إن هجرة الصحفيين وإغلاق العشرات من وسائل الإعلام أبوابها وتزايد الرقابة الذاتية وتفضيل ترك مهنة الصحافة؛ هي جزء من  الأسباب الرئيسة جراء حالة المرض التي يعيشها قطاع الصحافة والإعلام الليبي، إضافةً إلى تفضيل الضحايا الصمت وعدم التبليغ عن المنتهكين خشيةً من ملاحقتهم أو ذويهم.

أي إن كل المُعطيات الحالية يُمكن أن تُشير إلى أننا في مرحلة أشبه بـ” مرحلة ما قبل ذبح الحُرية المنشودة” التي خرج لأجلها الليبيون يُطالبون بها في انتفاضة ثورة فبراير، لنعيش عصر ” نكسة الإعلام “.

أصبح الصحفيون بين خيارين لا ثالث لهما إما العمل تحت وطأة التهديد والصمت وعدم الحديث عن التهديدات التي يواجهونها أو التخلي عن مهنتهم والبحث عن مهنٍ أخرى.

ولعل 2018-2019  شهدا سابقة خطرة هي ارتفاع وتيرة الإجراءات التعسفية التي تضعها إدارات مختلفة بحكومة الوفاق الوطني والحكومة الموازية شرق ليبيا، بعدة أساليب بيروقراطية بائسة سنتطرق إلى بعضها لاحقًا بالتقرير 

المنهجية

أجرى الباحثون بوحدة  الرصد والتوثيق لدى المركز الليبي لحرية الصحافة  ما يزيد عن مئة مُقابلة توزعت على 5 مدن ليبية وتنوعت بين 30 مقابلة مباشرة و30 اتصالا هاتفيا و25  وسيلة إعلام ومنصة تواصل اجتماعي 15 عن طريق البريد الإلكتروني الخط الساخن.

 ويعتمد التقرير على سلسلة مترابطة مبنية من التقارير الداخلية والشهرية التي أعدتها وحدة الرصد والوثيق، اعتمدت على الاتصال المباشر وغير المباشر مع ضحايا الانتهاكات، لتحليل هذه المعلومات وتصنيفها بشكل علمي، وفقًا للدليل المنهجي، وقد أنشأ المركز الليبي لحرية الصحافة وحدة الرصد والتوثيق كمرصد بحثي علمي يعني بشؤون الصحفيين ووسائل الإعلام من خلال توثيق الممارسات التي يتعرضون لها وإعدادها في تقارير داخلية فضلا عن جمع الأدلة والمعلومات وتقصي الحقائق حولها.

ويُتابع فريق العمل بحذر شديد حوادث الاستهداف المُباشر للصحفيين أو المؤسسات الإعلامية فضلا عن جرائم الإخفاء القسري (3)  والتعذيب التي تُمارسها قوات حفتر الضالعة في جرائم حرب وفقًا لتقارير دولية، وعدم احترامها لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي، ولعل الحوادث الممنهجة والتكتيم التي تعيشه مدن شرق ليبيا أبرز دليل وسط غياب كامل لحرية التعبير وتعدد الآراء.

ولعل موجات العنف المُتكررة أفرغت الساحة الليبية من أي وسائل إعلام مستقلة قادرة على تقديم محتوى مهني، وتسليم المجتمع الليبي لدعوات الكراهية والتحشيد والعنف والعسكرة وماكينة الحرب المدمرة.

ويجدر الإشارة إن فريق العمل يواجه صعوبات كبيرة في التحقق من المصادر وتتبع حوادث الاعتداءات شرق ليبيا، بالنظر للإجراءات التعسفية التي تفرضها قوات حفتر ، وغياب لمفهوم الصحفيين المُستقلين أو وسائل الإعلام المُستقلة التي لاحقتها عناصر الأمن وصادرت في العديد من المرات معداتها.

وعلى الرغم من الانخفاض في معدل الاعتداءات المُسجلة بالمقارنة بالأعوام الماضية، فإن وضع حرية الصحافة وحماية الصحفيين لا يزال في خطر كبير، ولا تزال الأطراف الفاعلة تمارس شتى الاعتداءات دون أي مراعاة لاحترام الشارة؛ وهذا ما دفع العديد منهم لترك مهنتهم أو فضلوا الصمت وعدم الحديث عن أي اعتداء يواجهونه، وذلك لتوعد الجهات الضالعة بملاحقتهم هم أو ذويهم وخصوصًا بالمناطق الخاضعة لسيطرة قوات حفتر.

لمٌتابعة المزيد إضغط هنـا

أترك تعليق